يحيى بن معاذ الرازي

36

جواهر التصوف

فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [ المائدة : 54 ] . يقول الصاوي على الجلالين : « معنى محبّة الله لهم : إقامتهم له في خدمته مع الرضا والإثابة ، ومعنى محبتهم لله : موالاة طاعته ، وتقديم خدمته على كلّ شئ ؛ ولما كانت محبتهم للّه ناشئة عن محبة الله لهم ، قال شاعرهم على لسان الحضرة العلية : أيها المعرض عنّا * إنّ إعراضك منّا لو أردناك جعلنا * كلّ ما فيك يردنا * ويرى الحكيم الترمذي أن المجتبى هو المصطفى ، وهو الذي في أول أمره لم تذهب نفسه بعد ، بحيث تصلح لما أعدّ لها من مرتبة ، ويتولّى الله هذه النفس بالعطايا ، ويفيض عليها شيئا فشيئا - على قدر ما تتحمله من أنوار العطاء الإلهى حتى يزال عنها الهوى ، وحلاوة شهوات الدنيا ، ثم يسكرها الله تعالى بحلاوة العطاء وحلاوة القربة . ( 49 / معجم ألفاظ الصوفية ) . علامة محبة الله للعبد 1 - أن يتولى الله سياسة همومه ، بحيث لا يرد عليه قاطع ولا شاغل ، قاطع يقطع عنه ولاية الله له ، ولا شاغل يشغله عن طاعة الله ، عند ذلك تتوحد همومه في هم واحد هو الحق جل جلاله ، فلا تتخلف له همة ولا تتراجع له إرادة ، فتصير أخلاقه على السماحة ، وجوارحه على الموافقة ، تصرخ به وتستحثه بالزجر والتهديد ، تسوقه في طريق الله . والحديث الشريف « إذا أحب الله عبدا جعل له واعظا من نفسه ، وزاجرا من قلبه ، يأمره وينهاه » . 2 - لا يكون شئ أحب إليه من أداء الفرائض والمحافظة عليها بمسارعة القلب والجوارح . والحديث القدسي « وما تقرب عبدي إلىّ بشئ أحب إلىّ مما افتترضت عليه » . 3 - كثرة قيامه بالنوافل ، والحديث القدسي « . . ولا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه » . 4 - يقظة القلب وحضوره . . فمتى شمّرت النفس للقيام بالطاعات ، وخلعت الشهوات ، وجانبت الملذات . . تولاها الله برعايته وكفايته وعنايته ، وأذاق القلوب طعم محبته ، ولذة دوام مناجاته ، وبوأها محلا نظرت فيه بلا عيان ، وجالست بلا مشاهدة ، وخوطبت بلا مشافهة . 5 - ومن علامات المحبوبين أيضا اعتقادهم الرضا قبل وقوع القضاء ، واستقلالهم لأعمالهم الكثيرة ، واستكثارهم القليل من نعم الله عليهم . عن ( القصد والرجوع إلى الله ) للمحاسبى ، بتصرف . * * *